شهادة لله ورسوله .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

شهادة لله ورسوله .

مُساهمة  El-@mir_dz في الخميس يناير 01, 2009 6:50 pm

د. يوسف القرضاوي

حديثنا اليوم الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، عن زيد بن أرقم، قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: في دُبر صلاته: "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أنك أنت الرب وحدك لا شريك لك". قال إبراهيم مرتين: "ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مُخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة، ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب، الله الأكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله الأكبر الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله الأكبر الأكبر" [1]. (صدق رسول الله).

بهذا الدعاء القوي - أيها الإخوة المستمعون- كان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربه بعد كل صلاة، يُناجيه بهذه الأمور الثلاثة، يُشهد الله تعالى عليها...

الأول: الشهادة لله تعالى بالوحدانية، "أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك"، التوحيد هو جوهر الإسلام وروحه، بل هو جوهر الأديان كلها، كل الأديان، كل الكتب التي نُزِّلت، كل الأنبياء التي أُرسلت إنما جاءت لتُخرج الناس من الوثنية إلى التوحيد، جاء الجميع ينادون هذا النداء: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:59].

إن الإنسانية قد ضلَّت الطريق، فعبدت مع الله آلهة أخرى، منهم مَن عبد الشمس أو القمر، ومنهم مَن عبد الجن أو البشر، ومنهم مَن عبد الوثن أو الحجر، ومنهم مَن عبد النبت والشجر، ومنهم مَن عبد العنز والبقر، ومنهم مَن عبد أشياء كثيرة، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يَدَعهم في هذا التيه، لم يَدَعهم في هذا الظلام الدامس، بل أرسل إليهم رسلا، ليُخرجهم إلى نور التوحيد، من ظلام الشرك والوثنية، ليدعوهم إلى عبادة الله وحده.
هكذا كان الأنبياء جميعا، وهكذا كان آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بالتوحيد الخالص، جاء يُحرِّر الناس من كل شائبة للوثنية، جاء يدعو الناس إلى (لا إله إلا الله)، ليس هناك آلهة مع الله، ولا دون الله، لا بشر ولا حجر، ولا شيء في الأرض ولا شيء في السماء، كان يختم رسائله إلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى غيره من أهل الكتاب بهذه الآية: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران:64]، ليس هناك بشر ربٌّ لبشر، إنما الكل عبيد لرب واحد، عبيد لرب السماوات والأرض، وخالق الكون، ومُدبِّر الأمر كله.

هذا المبدأ الأول الذي يُنادي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه (التوحيد): "أنا شهيد أنك الله وحدك، لا شريك لك".

والمبدأ الثاني: أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، لقد ضلَّ الناس في معرفة حقائق الأنبياء، فمنهم مَن أضفى عليهم صفة من صفات الإلوهية، ومنهم مَن اعتقد الأنبياء آلهة، ومنهم مَن اعتقد أنهم أبناء الآلهة، ومنهم مَن اعتقد أنهم شركاء الله عز وجل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم، جاء ليُعلن في كتابه أن الأنبياء بشر مثلنا، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف:110].

لا يمتاز إلا بالوحي إليه، ومضمون هذا الوحي هو (التوحيد) فليس إلها، ولا ابن إله، ولا نصف إله، ولا ثُلث إله، ولا شيء حلَّ فيه رُوح الإله، إنما هو عبد من عبيد الله، ومن هنا كان يقول في دبر كل صلاة هذه الشهادة: "أن محمدًا عبدك ورسولك". وكان يُعلِّمنا أن نقول في التشهد: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله" [2]ويقول مُحذِّرا: "لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله"[3] .

هذا ما كان يحرص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان يُحارب كل غلو في شخصه، جاء بعض الناس يقولون: يا محمد يا خيرنا وابن خيرنا يا سيدنا وابن سيدنا، فقال: "قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان - أو الشياطين، إحدى الكلمتين- محمد عبد الله ورسوله[4]

وجاء مَن دخل عليه فارتعد، فقال له: "هون عليك، فلستُ بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة" [5]

هكذا كان يحرص صلى الله عليه وسلم، على أن يُظهر عبوديته لله، وأنه مجرَّد رسول مُبلِّغ عن الله عز وجل ... "اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك".

ثم يأتي الجزء الثالث من هذا الدعاء الجليل: "اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة". أخوة لأن أباهم واحد، وأمهم واحدة، وقبل ذلك: لأن ربهم واحد ... ولهذا قال: "أن العباد كلهم عباد الله"، فكلهم أخوة في ذات الله.

إن هذا الحديث الجليل، ليدلُّنا أوضح الأدلة، على قيمة الإخاء البشري في رسالة الإسلام.

إن بعض الناس يظنون أن الغرب هو صاحب الفضل في الدعوة إلى الإخاء البشري، وأن الثورة الفرنسية هي التي أعلنت الحرية والإخاء والمساواة. وكذبوا ... فالإسلام هو مُوطِّد دعائم الإخاء والمساواة والحرية ... إن هذا الدعاء... نرى فيه دلائل على قيمة الإخاء في هذه الرسالة ...

هو أولاً: يُعلن الأخوة بين عباد الله ... كل عباد الله، لا بين العرب وحدهم، ولا بين المسلمين وحدهم، مُشيرا إلى الجامع المُشترك بينهم، المُوحِّد بين أجناسهم وألوانهم وطبقاتهم، وهو العبودية لله تعالى، "أن العباد كلهم أخوة".

وهو ثانيا: يُقرِّر صلى الله عليه وسلم، ذلك في صيغة دعاء يُناجي به ربه، ويشهد بنفسه أمام الله سبحانه على أحقِّية هذا المبدأ وصدقه ... أي إن تقرير هذا المبدأ ليس مجرد كلام أو دعوى للاستهلاك المحلي، أو للتضليل العالمي، وإنما هي حقيقة دينية، لا ريب فيها ولا جدال فيها.

ثالثا: أنه قرن هذا المبدأ بالمبدأين الأساسيين في عقيدة الإسلام، والذي لا يدخل أحد في هذا الدين إلا آمن بهما، وشهد بهما، وهما توحيد الله، ورسالة عبده محمد، وهذا الاقتران دليل على أهمية هذا المبدأ، الإخاء لدى رسول الإسلام، كما أن لهذا الاقتران أهمية أخرى في تأكيد هذا الإخاء، فإن توحيد الله تعالى، معناه إسقاط كافة المُتألهين في الأرض، المُتعالين على غيرهم من عباد الله، وهذا أول ما يُعمق أساس الأخوة بين الخلق.

ثم رابعا: لا يكتفي بإعلانه مرة في العمر، مرة كل عام، أو حتى في كل شهر، أو كل أسبوع، بل يدلُّ هذا الحديث أنه كان يُكرِّر ذلك في كل يوم، وعقب كل صلاة، أي خمس مرات في اليوم والليلة، وهذا دليل على مزيد العناية والاهتمام.

ثم الخامسة: جعله ذلك من الأذكار والأدعية التي يُتعبَّد بها، ويُتقرَّب إلى الله تعالى بتكرارها، وربطه بالصلاة وختامها، وهذا يُضفي عليه قدسية ومنزلة في قلوب المؤمنين، لا تعدلها منزلة مبدأ يُقرَّر بعيدا عن الله وعن هدي الله.

هذا هو الإخاء في الإسلام، إخاء دعا إليه وأكده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبته في مسجده.

المسجد الذي كان يضمُّ أجناسا من الناس، منهم الرومي كصهيب، والفارسي كسلمان، والحبشي كبلال. ضمَّ العرب عدنانيين وقحطانيين، ضمَّ مَن كانت بينهم الحروب والثورات كالأوس والخزرج، ضمَّهم المسجد في رحابه الفيحاء، ضمَّتهم أخوة الإسلام، فشعروا بروح هذه الآية الكريمة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10].

ورُوح هذا الحديث: "أن العباد كلهم إخوة"، "وكونوا عباد الله إخوانا"[6]

هذا هو إخاء الإسلام، الذي هو إخاء بشري عام، يُؤكِّد الأخوة في العقيدة "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" [7]

فاللهم ارزقنا حسن الأخوة فيك، إنك سميع قريب.

El-@mir_dz

ذكر عدد الرسائل : 80
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 28/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.facebook.com/belhacini.dz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى